سيد محمد طنطاوي

25

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بشمول قدرته وعلمه فقال : * ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ، لا إِله إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . وقوله * ( يُصَوِّرُكُمْ ) * من التصوير وهو جعل الشيء على صورة لم يكن عليها . وهو مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه . أو من صاره إلى كذا بمعنى أماله وحوله . واللَّه - تعالى - القادر على كل شيء قد حكى لنا أطوار خلق الإنسان في آيات متعددة منها قوله - تعالى - ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناه نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً . فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . والأرحام : جمع رحم ، وهو مستودع النطفة في بطن المرأة ، ومكان تربية الجنين ونموه وتكوينه بالطريقة التي يشاؤها اللَّه ، حتى يبرزه إلى الوجود بشرا سويا . والمعنى : اللَّه الذي لا إله إلا هو والذي هو الحي القيوم ، هو الذي يصوركم في أرحام أمهاتكم كيف يشاء ، بأن جعل بعضكم طويلا وبعضكم قصيرا ، وهذا أبيض وذاك أسود ، وهذا ذكر وتلك أنثى ، فهو وحده القادر على تصوير خلقه بتلك الصور المختلفة المتفاوتة ، ومن كان شأنه كذلك . فهو المستحق للعبادة والخضوع ، لا إله إلا هو * ( الْعَزِيزُ ) * الذي يقهر كل شيء بقوته وقدرته * ( الْحَكِيمُ ) * في كل شؤونه وتصرفاته . وهذه الآية الكريمة في مقام التعليل للتي قبلها ، لأن قبلها بينت أن اللَّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، إذ هو العليم بما يسره الإنسان من كفر أو إيمان أو غيرهما . وهذه الآية تفيد أنه - سبحانه - يعلم أحوال الإنسان لا بعد استوائه بشرا سويا ، بل يعلم أحواله وهو نطفة في الأرحام ، بل إنه - سبحانه - ليعلم أحواله قبل أن يكون شيئا مذكورا ، فهو - كما يقول القرطبي - العالم بما كان وما يكون وما لا يكون . ومن كان ذلك شأنه فمن الواجب على الذين أوجدهم - سبحانه - في بطون أمهاتهم ، ورباهم ورعاهم وخلقهم خلقا من بعد خلق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا . وقوله - تعالى - * ( كَيْفَ يَشاءُ ) * إخبار منه - سبحانه - بأن هذا التكوين والتصوير في الأرحام تبع لمشيئته وقدرته وليس خاضعا لقانون الأسباب والمسببات ، إذ هو الفعال لما يريد . فمن شاء هدايته هداه ، ومن شاء إضلاله أضله . و * ( كَيْفَ ) * في موضع نصب على أنه حال ، وناصبه الفعل الذي بعده وهو * ( يَشاءُ ) * ومفعول المشيئة محذوف والتقدير : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء تصويركم ، من ذكر وأنثى ،